تحولت صفقة استحواذ ميتا على شركة الذكاء الاصطناعي Manus من قصة نجاح لافتة إلى ملف حساس على طاولة الحكومة الصينية، في وقت تتصاعد فيه المنافسة التقنية بين بكين وواشنطن.
فبعد الإعلان عن الصفقة، التي تُقدّر قيمتها بنحو 2 مليار دولار، أعلنت السلطات الصينية أنها ستخضعها للمراجعة، للتحقق من التزامها بقوانين ضوابط التصدير ونقل التقنية.
وتأتي هذه الخطوة لأن Manus، رغم انتقال مقرها الرئيسي إلى سنغافورة قبل أشهر، تأسست في الأصل داخل الصين عام 2024.
رسالة سياسية بقدر ما هي تنظيمية
لم يعد التعامل مع الصفقة مجرد إجراء تنظيمي، بل تحوّل إلى رسالة واضحة لمؤسسي الشركات الناشئة مفادها أن تغيير العنوان القانوني لا يعني بالضرورة القطيعة مع الأصل الصيني.
ويرى مراقبون أن طريقة تعامل بكين مع هذه القضية ستكشف إلى أي مدى تنوي تشديد الرقابة على خروج تقنيات الذكاء الاصطناعي والمواهب إلى الخارج، خصوصاً في ظل السباق مع الولايات المتحدة على الريادة التقنية.
ويقول ليان جي سو، محلل تقني مقيم في سنغافورة لدى مؤسسة Omdia، إن خروج Manus من الصين عزز قناعة متزايدة بأن الشركات الصينية لا تحظى باهتمام عالمي إلا إذا عملت خارج البلاد، وهو انطباع قد يحمل تبعات بعيدة المدى على بيئة الابتكار المحلية.
من شركة صينية إلى لاعب عابر للحدود
ظهرت Manus عام 2024 بوصفها شركة تطور وكيل ذكاء اصطناعي قادر على تنفيذ مهام معقدة بشكل مستقل، في وقت كان الاستخدام السائد للذكاء الاصطناعي يقتصر على المحادثة وتوليد النصوص.
ورغم أن مؤسسيها ومهندسيها ومستثمريها كانوا من الصين، قررت الشركة نقل مقرها إلى سنغافورة في منتصف العام الماضي. وبعد ذلك بأسابيع، توقفت خدماتها داخل الصين، مع تقارير عن تسريح الموظفين المحليين وإغلاق المكاتب هناك.
سنغافورة كحل وسط
ليست هذه الخطوة استثناء. فقد سبقتها شركات معروفة مثل ByteDance وShein، التي اختارت مقار خارج الصين لتخفيف الضغوط التنظيمية والجيوسياسية، وفتح أبواب التمويل العالمي.
ويصف محللون هذا المسار بمصطلح “الغسيل السنغافوري”، في إشارة إلى اعتماد سنغافورة بوصفها موقع محايد يتيح للشركات الصينية العمل عالمياً، والوصول إلى التقنيات المتقدمة، بما في ذلك الرقائق الأميركية التي تخضع لقيود تصدير صارمة داخل الصين.
المال الأميركي عقدة أساسية
أحد الأسباب الجوهرية وراء هذا التوجه هو القيود الأميركية التي تمنع الشركات والمستثمرين الأميركيين من ضخ أموالهم في قطاعات حساسة داخل الصين، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.
وبناء على ذلك، لا تجد الشركات الصينية خيار واقعي لجذب رأس المال الأميركي سوى الخروج القانوني من الصين.
ويرى محللون أن استحواذ ميتا على Manus حالة نادرة من حيث الحجم والتوقيت، ما يفسر الاهتمام السياسي والتنظيمي الواسع الذي أثارته الصفقة.
مستقبل أعقد للشركات الناشئة
تشير بيانات PitchBook إلى أن الاستثمارات في شركات الذكاء الاصطناعي الصينية تشهد تراجع مستمر منذ عام 2021، وهو ما يضع المؤسسين أمام خيارات محدودة بين الالتزام بالبيئة المحلية أو البحث عن ملاذ خارجي.
وفي ظل هذا المشهد، قد تصبح قضية Manus نقطة مرجعية تحدد ما إذا كانت سنغافورة ستظل بوابة مفتوحة أمام الشركات الصينية، أم أن التدقيق المتزايد سيجعل هذا المسار أغلى وأعقد.
ذو صلة > الحمى الصينية الجديدة.. كيف أشعل الذكاء الاصطناعي شرارة اقتصادية غير مسبوقة؟

